عبد الرحمن السهيلي

81

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فيها : « إنما الصدقات للفقراء والمساكين » الآية ، أي : ليست لأحد إلا لهؤلاء ، وهذا كله قول سفيان الثوري ، وتفسيره ، وسيأتي القول في غزوة حنين فيما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة قلوبهم ، هل كان من رأس الغنيمة أم من الخمس أم من خمس الخمس إن شاء الله . قتال الملائكة : فصل : وذكر قوله سبحانه : « بأَلْفٍ من الملائكة مُرْدِفين » وقد قال في أخرى : « بثلاثةِ آلاَفٍ من الملائكَةِ مُنْزَلِين » فقيل في معناه : إن الألف أردفهم بثلاثة آلاف ، فكان الأكثر مدداً للأقل ، وكان الألف مردفين لمن وراءهم بكسر الدال من مردفين ، وكانوا أيضاً مردفين بهم بفتح الدال ، والألف هم الذين قاتلوا مع المؤمنين ، وهم الذين قال الله لهم : « فثَبِّتوا الذين آمنوا » وكانوا في صور الرجال ، ويقولون : للمؤمنين أثبتوا ، فإن عدوكم قليل ، وإن الله معكم ونحو هذا ، وقول الله سبحانه : « واضْرِبُوا منهم كُلَّ بنان » جاء في التفسير أنه ما وقعت ضربة يوم بدر إلا في رأس أو مفصل ، وكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم ، بآثار سود في الأعناق وفي البنان ، كذلك ذكر ابن إسحاق في غير هذه الرواية ، ويقال لمفاصل الأصابع وغيرها بنان واحدتها بنانة ، وهو من أبن بالمكان إذا أقام فيه وثبت ، قاله الزجاج . وقوله : « ليطهِّركُم به ويُذْهِبْ عنكم رِجزَ الشَّيْطان » الآية ، كان العدو قد أحرزوا الماء دون المؤمنين ، وحفروا القلب لأنفسهم ، وكان المسلمون قد أحدثوا وأجنب بعضهم ، وهم لا يصلون إلى الماء ، فوسوس الشيطان لهم أو لبعضهم ، وقال : تزعمون أنكم على الحق ، وقد سبقكم أعداؤكم إلى الماء ، وأنتم عطاش وتصلون بلا وضوء ، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم ، ويذهب قواكم فيتحكموا فيكم كيف شاؤوا ، فأرسل الله تعالى السماء فحلت عزاليها فتطهروا ورووا وتلبدت الأرض لأقدامهم وكانت رمالاً وسبخات ، فثبتت فيها أقدامهم وذهب عنهم رجز الشيطان ، ثم نهضوا إلى أعدائهم فغلبوهم على الماء ، وعاروا القلب التي كانت تلي العدو فعطش الكفار ، وجاء النصر من عند الله ، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم قبضةً من البطحاء ورماهم بها ، فملأت عيون جميع العسكر ، وذلك قوله سبحانه : « وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتِ ولكن اللّه رمى » أي : عم جميعهم ، ولم يكن في قبضتك إلا ما يبلغ بعضهم ، فالله هو الذي رمى سائرهم إذ رميت أنت القليل منهم ، فهذا قول ، وقال أحمد بن يحيى : معناه : وما رميت قلوبهم بالرعب حين رميت الحصباء ، ولكن الله رمى وقال هبة الله بن سلامة : الرمي أخذ وإرسال وإصابة وتبليغ ، فالذي أثبت الله لنبيه هو الأخذ والإرسال ، والذي نفى عنه هو الإصابة والتبليغ ، وأثبتهما لنفسه . فلا تولوهم الأدبار : وقوله : « فلا تُوَلُوهم الأَدْبَارَ » الآية قال الحسن : ليس الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر وفي الملحمة الكبرى التي تأتي آخر الزمان . وقال غيره : هو من الكبائر إذا حضر الإمام ولم يتحيز إلى فئة فأما إذا كان الفرار إلى الإمام ، فهو متحيز إلى فئة ، وقد قال عمر بن الخطاب حين بلغه قتل أبي عبيد بن مسعود ، وما أوقع الفرس بالمسلمين : هلا تحيز إلي أبو عبيد بن مسعود ، فإني فئة لكل مسلم ، وروي مثل هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه الذين رجعوا من غزوة مؤتة ، ذلك أنهم قالوا : نحن الفرارون يا رسول الله ، فقال : بل أنتم العكارون ، وأنا فئتكم ، وهو حديث مشهور اختصرته ، والقدر الذي يحرم معه الفرار الواحد مع الواحد ، والواحد مع الاثنين ، فإذا كان الواحد للثلاثة ، لم يعب على الفار فراره ، كان متحيزاً إلى فئة أو لم يكن . وذكر أبو الوليد بن رشد في مقدماته عن بعض الفقهاء ، قال : إذا كان المسلمون اثنا عشر